«قوة الإرادة»

«قوة الإرادة»
بقلم د.عصام الهادى
أوقاف شمال سيناء
إن قوة الإرادة ،أو قوة العزيمة، أو الإصرار المصحوب بالثبات والأمل في تحقيق الأهداف المشروعة لايمتلكه إلا ذو همة عالية، ونفس طيبة ينبثق منها روح الأمل والتفاؤل في غد مشرق.
فمن الصفات المحمودة التي حث عليها الشرع «قوة الإرادة» ،وهي قوة العزيمة التي تحمل صاحبها على استسهال الصعاب، واقتحام الشدائد لنيل الغرض المطلوب، قال الشاعر:
لَأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَو أُدْرِكَ المُنَى
فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرٍ
ولا تكون هذه الصفة إلا في أهل القوة والعزم، قال الله تعالى لنبيه محمد صلى اللهُ عليه وسلم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}. وأصحاب العزائم القوية يتحقق لهم ما يشبه المستحيل من غيرهم، قال المتنبي:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَاتِي العَزَائِمُ
وتَاتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
ويَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا
وَيَصغُرُ فِي عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِمُ
أما أصحاب الإرادات الضعيفة، والعزائم الرخوة الذين يمتلكون اليأس ويفقدون الأمل، فإنه لا يكاد يتحقق لهم مراد، فكلما هموا بأمر، ورأوا ما دونه من الصعاب والشدائد ارتخت عزائمهم، وضعفت إرادتهم، واختل إصرارهم، وحال إيثارهم للراحة والدعة دون تحقيقه، قال الشاعر:
ومَنْ رَامَ العُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ
أَضَاعَ العُمرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ
تَرُومُ العِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيلًا
يَغُوصُ البَحرَ مَنْ طَلَبَ الَّلآلِي
وقد أثنى الله تعالى في كتابه في غيرما موضع على أصحاب الإرادة القوية والعزيمة النافذة، فقال تعالى لنبيه صلى اللهُ عليه وسلم منبهاً له في الاقتداء بهم: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَار}،وبها أمر ربنا تعالى نبي الله يحيى عليه السلام فقال: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}، وَمِنْ قَبْلُ أَمَرَ نبيه موسى عليه السلام حين أنزل عليه التوراة فقال: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}،وفي العموم يقول تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ}.
وقد أخبرنا جل وعلا في قصة أبينا آدم أنه أدخله الجنة، وأذن له في التمتع بما فيها من النعيم إلا شجرة واحدة نهاه عن الأكل منها، فوسوس له إبليس، وخادعه حتى أضعف إرادته، وحل من عزيمته، فأكل منها، فكان جزاؤه أن أُخْرِجَ من دار النعيم والحبور والسرور، وأُهْبِطَ إلى دار الأحزان والنكد والهموم والغموم، وفي ذلك يقول ربنا عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}.
ولقد ضرب نبينا صلى اللهُ عليه وسلم أروع الأمثلة في قوة الإرادة ونفاذ العزيمة،ومواقفه في ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى.
ومن مواقف أصحاب الإرادات القوية التي تُذكر وتُشكر موقف الصديق رضي اللهُ عنه بعد وفاة النبي صلى اللهُ عليه وسلم عندما ارتدت قبائل العرب ومنعوا الزكاة وأشرأَبَّ النفاق، قالت عائشة: “فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهَاضَهَا – أي: لَكَسَرَهَا بَعدَ جَبرِهَا -“، وقال كلمته المشهورة: “لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَقَالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى اللهُ عليه وسلم لقاتلتهم على منعه”.
ومن المشهور أيضاً موقف الإمام الجليل أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة القول بخلق القرآن.
والإرادة القوية تحتاج إلى أمرين: التقوى والصبر، قال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور}.
وعلى من آتاه الله قوة الإرادة أن يعلم أن ذلك فضل من الله ومنة، فليشكر الله على ذلك وليعتمد عليه،بهذا جاء التوجيه الكريم للنبي صلى اللهُ عليه وسلم فقال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين}.
كذلك عليه أن يحذر كل الحذر من التردد، وغالباً ما يكون سببه نقص البصيرة، فإذا تحقق من الأمر الذي يريده فليعزم ولا يتردد، قال الشاعر:
إِذَا كُنتَ ذَا رَأيٍ فَكُن ذَا عَزِيمَةٍ
فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأيِ أَن تَتَرَدَّدَا
Share this content:




