مقالات رأي

سرد بلا حدود.. هربتُ من حرب الشلاليية المصرية فوجدتها تنتظرني فى الكويت

سرد بلا حدود
هربتُ من حرب الشلاليية المصرية فوجدتها تنتظرني فى الكويت

بقلم
السيد حافظ

خرجتُ من مصر إلى الكويت عام 1976، لا بحثًا عن المال، ولا رغبة في ترك الوطن، وإنما هربًا من حرب شرسة كانت تُشنّ عليّ من أكثر من جهة.
كان محمد غنيم، مديري في قصر ثقافة الحرية، واحدًا ممن دخلت معهم في هذه الحرب. وكانت هناك تقارير أمن الدولة والاستدعاءات بفضله والهجوم المستمر من بعض أهلي من المثقفين المصريين، حتى شعرت أنني لم أعد أستطيع أن أتنفس في المكان الذي ولدت فيه.
لكن الحكاية بدأت قبل ذلك بسنوات.
في عام 1969 تقدمتُ إلى جائزة المسرح في مؤتمر الزقازيق. كنت أؤمن أن عملي يستحق، لكنهم منحوني الجائزة السادسة.
لم أقبل الأمر صامتًا.
كتبت شكوى إلى جمال عبد الناصر، ولا أعرف ماذا حدث لها، وظلت الإجابة غائبة عني سنوات طويلة.
ثم جاءت المصادفة في بغداد.
كنت في الثمانينيات في فندق الرشيد، والتقيت الناقد والمفكر الدكتور أمير إسكندر، فحدثته عن القضية. فقال لي إن شكواي قد تم التحقيق فيها، وإنه كان عضوًا في اللجنة، وإن اللجنة رأت أنني أستحق الجائزة الأولى.
وقال لي أيضًا إنه أعد حلقة عن مسرحيتي في البرنامج الثقافي.
عندها فهمت أن المشكلة لم تكن في الجائزة وحدها، وإنما في ضياع الحق الأدبي وسط الصراعات والحسابات.
ثم مات عبد الناصر، وتغيرت الدنيا.
شعرت أن الضمير الأدبي في مصر قد غاب.
فهاجرت إلى الكويت.
كنت أظن أنني عندما أصل إلى الكويت سأبدأ حياة جديدة. والكويت كانت بالفعل قد فتحت صدرها للعرب، واحتضنت كثيرًا من المبدعين العرب.
لكنني اكتشفت أن الحرب يمكن أن تعبر الحدود مع الإنسان.
في عام 1976 كان حامد حنفي، ومعه مصريون وسوريون وفلسطينيون، يحصلون عن الحلقة التلفزيونية على دينارين أو ثلاثة دنانير.
أما الكاتب الكويتي فكان يحصل على خمسة دنانير حق التأليف للمسلسل.
فقلت لنفسي:
لماذا لا أحصل على خمسة دنانير مثل أي مؤلف كويتي؟
لم أطلب امتيازًا.
كنت أطلب المساواة.
وصممت على أن أحصل على خمسة دنانير، مثل الكاتب الكويتي.
وافقت السيدة حياة الفهد، ووافق سالم الفقعان شركة المراويس، وتمت الموافقة على أن أحصل على حقي.
ومن هنا بدأت الغيرة.
وبدأ الحسد.
وكان حامد حنفي واحدًا ممن اشتدت بينهم وبيني الخصومة.وطعنى فى الظهر لدى الكويتين
ثم ظهر اسم المصرى أحمد رضوان، مساعد المخرج والمخرج المسرحي والمؤلف المسرحي، الذي كان موجودًا في الكويت منذ سنوات طويلة قبل وصولي إليها.
أقام الدنيا وأقعدها.
وحاربني في شركات الإنتاج التي كان يعمل مستشارًا لبعضها، وحاول تخفيض أجري.
كان أجري خمسمائة دينار عن الحلقة، وحاول أن يصبح الأجر مائة وخمسين دينارًا.
وفي النهاية لم أوافق وانتصرت.
خسرت شيئًا من المال، لكنني لم أخسر كرامتي.
وهذا كان الاسم الثاني في هذه الحرب.
ثم ظهر اسم الصحفى المصرى صلاح البابا، الذي كان يعمل في الصحافة الكويتية بعد الظهر في مجلة أو جريدة «الرأي العام» ــ كما أتذكر ــ وكان يذهب في العصر أو المساء إلى حفلات أعياد الميلاد ليؤدي دور الساحر في البيوت والحفلات الخاصة.
وكان أيضًا من المتخصصين في الهجوم عليّ في مجلة «عالم الفن».
وهكذا وجدت نفسي أمام مفارقة غريبة.
هربت من مصر بسبب الحرب.
وصلت إلى الكويت، فوجدت الحرب من المصريين هناك تنتظرني.
لم أفهم السبب.
ما الجريمة التي ارتكبتها؟
هل كانت جريمتي أنني أردت أن أُعامل باحترام الكاتبً؟ وظهر اسم حمدى الجابري الذى عرض علي فهد السليم نصف أجرى ليكتب له مسرحية و ايضا يمارس دور المهاجم بلا اى سبب فى او ادبى ليفسد احد عقودى ..ثم جاء سعد اردش مع نعمان عاشور لأخذ سبعمائة وخمسين لنص نعمان عاشور وهو يحصل على نفس الأجر لفرقة المسرح الكويتى حتى يشد اذنى كما قال لى ويفيد عقدى ب٣ آلاف دينار ..
هل كانت جريمتي أنني طالبت بأجر عادل ومحترم ؟
هل كان المطلوب مني أن أقبل دائمًا أن أكون أقل من غيري لأنني مصري جاء من الخارج؟
لا أعرف.
كل ما أعرفه أنني سافرت إلى الكويت هربا من المثقفين المصريين ، فسبقنى الى هناك المصريين ايضا.
ثم عدت من الكويت بعد عشر سنوات، فوجدت حربًا أخرى تنتظرني منهم من يسرى العزب ومصطفى عبد الله، ومعهم بعض الصحفيين وبعض العاملين في الإذاعة والتلفزيون.
كأن قدري كان أن أعيش في حرب لا أعرف سببها.
حرب في مصر.
وحرب في الكويت.
ثم حرب عند العودة إلى مصر.
كأنني لم أهرب من الحرب، كأن الحرب كانت تهرب إليّ.
والغريب أنني لم أجد اللبنانيين يقفون أمامي، ولا السوريين من العرب. ولم تكن الجنسيات الأخرى هي التي شغلت نفسها بمحاربتي.
كان بعض المصريين، ومعهم بعض الفلسطينيين، هم الذين وقفوا أمامي.
وأنا حتى الآن أسأل نفسي:
لماذا؟
لماذا كان مصيري الحرب؟
لماذا كان عليّ أن أدافع عن حقي في كل مكان أذهب إليه؟
لماذا كان عليّ أن أدفع ثمن أن أكون كاتبًا مصريًا يحاول أن يصنع لنفسه مكانًا في المسرح العربي؟
لا أملك الإجابة.
ربما هذه هي الحياة.
وربما لأن الكاتب الذي يصر على كرامته يصبح مزعجًا لمن يريدون له أن ينحني.
لقد خسرت مالًا.
وخسرت فرصًا.
وخسرت سنوات.
لكنني لم أخسر نفسي.
وحين أنظر إلى الوراء، أجد أنني لم أكن أحارب من أجل جائزة واحدة، ولا من أجل خمسة دنانير، ولا من أجل خمسمائة دينار عن الحلقة.
كنت أحارب من أجل شيء أكبر:
أن أكون كاتبًا له كرامة.
خرجتُ من مصر عام 1976، لكنني لم أخرج من المسرح.
هاجرت بجسدي إلى الكويت، أما روحي فظلت معلقة بخشبة المسرح المصرية.
وواصلت الكتابة.
كتبت المسرح.
وكتبت الرواية.
وكتبت للتلفزيون والإذاعة.
وعشت أكثر من نصف قرن وأنا أكتب، رغم كل الحروب التي مررت بها.
اليوم، بعد كل هذه السنوات، لا أسأل عن جائزة ضاعت، ولا عن مال خسرته.
أسأل عن حقي الأدبي.
هل يكفي أن يعرف النقاد والباحثون أنني كنت أستحق الجائزة الأولى؟
هل يكفي أن تكتب الجامعات العربية عن تجربتي؟
هل يكفي أن تظل مئات المسرحيات والروايات والكتب شاهدة على أنني لم أتوقف؟
أم أن الكاتب العربي لا يحصل على حقه إلا بعد أن يصبح ذكرى؟
أنا لا أريد الانتقام من أحد.
أنا أريد أن يُقرأ التاريخ من جديد.
أريد فقط أن يعرف الجيل القادم أن وراء كل كاتب رحلة، وأن بعض الكتاب لم يهزمهم الظلم، ولم توقفهم الاستدعاءات، ولا الهجوم، ولا الغربة.
خرجتُ من مصر هربًا من الحرب، فوجدت الحرب تنتظرني في الكويت، ثم وجدتها تنتظرني عند عودتي.
لكنني في كل مرة كنت أعود إلى الشيء الوحيد الذي لم يستطع أحد أن ينتزعه مني:
الكتابة.
خسرت جائزة.
وخسرت مالًا.
وخسرت فرصًا.
وخسرت سنوات من عمرى .
لكنني لم أخسر كرامتي.
وهذا، بعد كل هذه الحروب، هو الشيء الوحيد الذي أعتبر أنني ربحتُه.
تمت
القاهرة
الهرم
….
رأى الذكاء الاصطناعي الأمريكي
أرى أن النص قوي جدًا من حيث التجربة والصدق والذاكرة، وفيه مادة تصلح أن تكون من أهم حلقات «سرد بلا حدود»، لأنه لا يحكي مجرد خلافات مع أشخاص، وإنما يرسم سيرة كاتب عاش أكثر من نصف قرن وهو يدافع عن حقه في أن يُعامل ككاتب.
لكن النص في صورته الحالية يحتاج إلى تشذيب أدبي وتوثيق سردي؛ لأن كثرة الأسماء والوقائع والأجور تجعل القارئ أحيانًا ينتقل من الحكاية الإنسانية إلى محضر وقائع. وأقوى ما فيه، في رأيي، ليس أسماء من حاربوا الكاتب، وإنما المعنى الأكبر: أنك هربت من الحرب فوجدتها تعبر الحدود معك.
أهم ما أعجبني
1. العنوان ممتاز ومشحون بالدلالة:
«هربتُ من حرب الشلاليية المصرية فوجدتها تنتظرني في الكويت»
العنوان يخلق سؤالًا فورًا: ما هذه الحرب؟ ولماذا انتقلت إلى الكويت؟ وهذا يدفع القارئ للقراءة.
2. الجملة المحورية في النص شديدة القوة:
«كأنني لم أهرب من الحرب، كأن الحرب كانت تهرب إليّ.»
هذه من أجمل جمل النص، وأقترح أن تجعلها مفصلًا أساسيًا في البناء.
3. أجمل ما في النص أنك في النهاية ترتفع فوق الخصومة.
أنت لا تنهي النص بالتشهير بمن اختلفت معهم، بل تصل إلى:
«كنت أحارب من أجل شيء أكبر: أن أكون كاتبًا له كرامة.»
وهذه هي الجملة التي تعطي النص قيمته الأدبية والأخلاقية.
4. النهاية موفقة جدًا:
«خسرت جائزة.
وخسرت مالًا.
وخسرت فرصًا.
وخسرت سنوات من عمري.
لكنني لم أخسر كرامتي.»
هذه تصلح أن تكون الخاتمة النهائية دون إضافة بعدها تقريبًا.
لكن عندي ملاحظة مهمة جدًا
هناك فرق بين السرد الأدبي وتسجيل الاتهامات.
عندما تذكر أسماء أشخاص بعينهم، مثل حامد حنفي وأحمد رضوان وصلاح البابا وحمدي الجابري وسعد أردش وغيرهم، وتربط كل اسم بأفعال محددة، فإن النص ينتقل من الذاكرة الشخصية إلى شهادات ووقائع قابلة للنقاش والتفنيد.
لذلك أدبيًا، الأفضل أن تستخدم عبارات مثل:
«بحسب ما عشته وتذكرته في ذلك الوقت»
أو:
«كما بقيت الواقعة في ذاكرتي»
أو:
«هذا ما فهمته من الأحداث آنذاك.»
ليس خوفًا من أحد، وإنما لأن هذا يجعل النص أكثر قوة واحترافًا؛ فأنت تقدم شهادتك وذاكرتك، ولا تدّعي أنك تصدر حكمًا نهائيًا على الآخرين.
وهناك نقطة أخرى
أنت بدأت بقضية جائزة المسرح في مؤتمر الزقازيق سنة 1969، ثم انتقلت إلى الكويت سنة 1976، ثم إلى بغداد في الثمانينيات، ثم عدت إلى الكويت، ثم مصر.
هذا كله ثري جدًا، لكن يحتاج إلى تقسيم داخلي، مثل:
الفصل الأول: الجائزة التي لم أنلها
1969
الفصل الثاني: الهروب إلى الكويت
1976
الفصل الثالث: خمسة دنانير كانت معركة كرامة
الفصل الرابع: الحرب داخل الوسط الثقافي الكويتي
الفصل الخامس: عدت إلى مصر فعادت الحرب
الفصل السادس: ماذا بقي بعد نصف قرن؟
وبذلك يتحول النص من مجرد سرد طويل إلى قصة حياة ذات بناء روائي.
وأقترح أيضًا ألا تكرر كثيرًا «الحسد» و«الحرب» و«الهجوم»، بل دع الوقائع نفسها تكشف للقارئ شعورك. كلما قلّ الحكم وزادت التفاصيل، أصبح النص أقوى.
وأرى أن هناك فكرة عميقة جدًا لم تستثمرها بما يكفي
أنت لا تحكي في الحقيقة عن الكويت أو مصر فقط.
أنت تحكي عن محنة الكاتب العربي مع الوسط الثقافي.
فالكاتب في النص لا يحارب فقط من أجل المال؛ الخمسة دنانير، أو الـ500 دينار، أو الجائزة، أصبحت رموزًا لشيء أكبر:
هل يحق للكاتب أن يطلب المساواة؟
وهنا يصبح النص أكبر من سيرتك الشخصية، ويتحول إلى شهادة على علاقة المثقف العربي بالمؤسسة الثقافية، وبزملائه، وبالسلطة، وبالاعتراف.
وهذا، في رأيي، هو المستوى الذي يجب أن يصل إليه «سرد بلا حدود».
وأقوى جملة يمكن أن تختصر النص كله هي:
«لم أكن أحارب من أجل جائزة، ولا من أجل خمسة دنانير، ولا من أجل خمسمائة دينار؛ كنت أحارب كي لا يصبح الكاتب أقل قيمة لأنه جاء من خارج المكان.»
وأرى أن النص يستحق إعادة صياغة أدبية عميقة، لا مجرد تصحيح لغوي؛ لأن المادة الموجودة فيه أكبر بكثير من أن تُترك في شكلها الحالي.

سرد بلا حدود
هربتُ من حرب الشلاليية المصرية فوجدتها تنتظرني فى الكويت
السيد حافظ

Share this content:

نهى عراقي

نهى عراقي ليسانس أداب وكاتبة وقصصية وشاعرة وكاتبة محتوى وأبلودر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى