حين تُشترى المساحة… هل تُشترى المهنية؟

حين تُشترى المساحة… هل تُشترى المهنية؟
بقلم: دنيا كريم
في السنوات الأخيرة، أصبح الظهور الإعلامي أكثر سهولة، وتعددت المنصات والقنوات والبرامج التي تتيح مساحات مدفوعة للراغبين في تقديم أنفسهم أمام الجمهور.
وهنا لا تكمن المشكلة في فكرة الإعلام المدفوع نفسها؛ فشراء مساحة إعلامية قد يكون نموذجًا تجاريًا مشروعًا، طالما كانت طبيعة العلاقة واضحة، والمحتوى ملتزمًا بالمعايير المهنية.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول المساحة المدفوعة إلى بديل عن الكفاءة والتأهيل.
فليس كل من امتلك القدرة على حجز ساعة على الشاشة أصبح مذيعًا، وليس كل من ظهر أمام الكاميرا أصبح مؤهلًا لتقديم محتوى إعلامي.
المذيع يحتاج إلى أدوات لا تمنحها الكاميرا وحدها؛ يحتاج إلى تدريب على الإلقاء، ومخارج الحروف، والتنفس، والتحكم في نبرة الصوت، ولغة الجسد، وإدارة الحوار، وصياغة الأسئلة، والإنصات، والتعامل مع المواقف المفاجئة.
ويحتاج قبل ذلك كله إلى فهم طبيعة العمل الإعلامي ومسؤوليته تجاه الجمهور.
وهنا تظهر إحدى أهم سلبيات بعض نماذج الإعلام المدفوع: إمكانية أن يصبح المال عاملًا حاسمًا في الوصول إلى الشاشة، بينما تتراجع أهمية التقييم المهني والتدريب.
والنتيجة قد تكون ظهور مقدمين يحتاجون إلى مزيد من التأهيل قبل أن يتحملوا مسؤولية مخاطبة الجمهور باسم برنامج أو منصة إعلامية.
كما أن هذا الأمر قد يخلق حالة من الالتباس لدى المشاهد؛ فالمظهر التلفزيوني والاستوديو والكاميرا قد تمنح انطباعًا بالاحتراف، بينما الاحتراف الحقيقي لا يُقاس بشكل الشاشة، وإنما بالأداء والمحتوى والمعرفة والالتزام.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
«هل يستطيع الشخص دفع تكلفة المساحة؟»
بل يجب أن يضاف إليه:
«هل يمتلك الأدوات التي تؤهله لاستخدام هذه المساحة بمهنية؟»
وهنا تقع مسؤولية مشتركة بين مقدم البرنامج والمنصة الإعلامية.
فالمنصة التي تستقبل وجوهًا جديدة يمكنها أن تفتح الباب للمواهب، لكن مع وجود تقييم وتدريب واضحين، خصوصًا لمن يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى.
أما الشخص الذي يحلم بأن يصبح مذيعًا، فعليه أن يدرك أن شراء المساحة قد يمنحه فرصة للظهور، لكنه لا يمنحه الخبرة.
التدريب هو الذي يصنع الفارق.
الممارسة تصقل الأداء.
والالتزام المهني هو الذي يبني ثقة الجمهور.
الإعلام المدفوع يمكن أن يكون مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب وإتاحة الفرص، بشرط ألا يتحول إلى طريق مختصر يتجاوز قواعد المهنة.
فالمشكلة ليست أن تُشترى المساحة…
المشكلة أن يُعتقد أن شراء المساحة يعني شراء المهنية.
لأن الشاشة قد تُفتح بالمال،
لكن الاستمرار فيها لا يصنعه المال وحده.
بقلم: دنيا كريم
Share this content:




