إيطاليا فوق المعدّل الأوروبي في خطر الفقر.. تزايد الفوارق الاجتماعية

إيطاليا فوق المعدّل الأوروبي في خطر الفقر.. تزايد الفوارق الاجتماعية رغم الوعود الحكومية وما يقوله الدستور الإيطالي
نهى عراقي
كشفت بيانات المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء (Istat) لعام 2024 عن صورة مقلقة للوضع الاجتماعي في البلاد، حيث ارتفع خطر الفقر إلى 18.9% من إجمالي السكان، أي أعلى من المعدل الأوروبي البالغ 16.2%، في حين بلغ معدل الفقر المطلق نحو 9.8%، ما يعني أن قرابة عشرة ملايين شخص يعيشون في ظروف مادية قاسية. ولا يتوقف القلق عند نسب الفقر فحسب، بل يتعداه إلى اتساع فجوة الدخل بين الطبقات، إذ بلغ الفارق بين أعلى 20% من السكان دخلًا وأدناهم 5.5 أضعاف، مقارنة بمتوسط أوروبي يبلغ 4.7 أضعاف. وهي أرقام تُظهر بوضوح أن الهوة الاجتماعية في إيطاليا تتعمّق عامًا بعد عام، رغم وعود الحكومات المتعاقبة بالحد من التفاوت ودعم الطبقات الضعيفة.

تنعكس هذه الأرقام على حياة ملايين الأسر الإيطالية والمهاجرين المقيمين، الذين يعانون من ارتفاع الأسعار وضعف الأجور وتراجع فرص العمل المستقر، لا سيما في الجنوب. فبينما يظل الشمال أكثر قدرة على الصمود اقتصاديًا بفضل البنية الصناعية والخدمات، يواجه الجنوب الإيطالي (Mezzogiorno) أزمة بنيوية تشمل البطالة، الفقر التعليمي، وضعف البنى التحتية.
وفي الوقت الذي تروّج فيه حكومة #جورجا_ميلوني لشعار “الدفاع عن الأسرة الإيطالية”، أرى أن السياسات الاقتصادية المتبعة حتى الآن تفتقر إلى العدالة الاجتماعية الحقيقية. فخفض بعض الإعانات الاجتماعية (مثل الراتب المواطني السابق) لم يُقابله برنامج فعال قادر على دمج الفئات الهشّة في سوق العمل أو حماية الفئات الأكثر ضعفًا، لا سيما بين المهاجرين والعاملين بعقود مؤقتة.
وما تزال ميلوني، التي ترفع خطابًا قوميًّا محافظًا، تواجه اليوم تحديًا وجوديًا أمام الرأي العام: فإيطاليا لا تعاني فقط من أزمات الهجرة أو الأمن، بل من تراجع خطير في العدالة الاجتماعية يهدد النسيج الوطني نفسه. وفي ظل تصاعد الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، قد تتحول شعارات “النهضة الإيطالية” إلى كلمات جوفاء ما لم تترافق بإصلاحات اقتصادية حقيقية تعيد التوازن بين الفئات الاجتماعية وتحدّ من الفقر البنيوي.
إنّ الدستور الإيطالي نفسه يضع مبدأ العدالة الاجتماعية في صميم العقد الوطني، إذ تنص المادة 3 على أن “الجمهورية تضمن المساواة الفعلية بين المواطنين وتزيل العقبات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدّ من حرية الإنسان ومساواته”. كما تنص المادة 36 على أن “كل عامل له الحق في أجرٍ يكفل له ولأسرته حياة حرّة وكريمة”. وبذلك، فإن مكافحة الفقر ليست خيارًا سياسيًا، بل واجب دستوريّ تقع مسؤوليته على الدولة بكامل مؤسساتها.
وفي ضوء هذه المبادئ، يتعين على حكومة ميلوني — إذا أرادت الحفاظ على مصداقيتها أمام الإيطاليين وأمام أوروبا — أن تجعل من العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر أولوية وطنية حقيقية، لا شعارًا انتخابيًا. فإيطاليا، بتاريخها الأوروبي خصوصًا وأنها من مؤسسي الاتحاد الأوروبي، لا تستحق أن تبقى فوق المعدّل الأوروبي في الفقر، بل فوق المعدّل في الكرامة والعيش الكريم.
Share this content:




