العفّة… حضور الروح وسط ضوضاء العالم
العفّة… حضور الروح وسط ضوضاء العالم
محمد لطيفي Mohamed LETIFI
في عالم يختلط فيه الصخب بالسطحية، وتتكاثر فيه النظرات والأحكام السريعة، تبقى العفّة قيمة ثابتة، نورًا داخليًا يميز الإنسان، خصوصًا المرأة، ويصنع من حياتها مساحة للطمأنينة والتوازن. العفّة ليست قيدًا اجتماعيًا يحدّ خطواتها، ولا مجرد قاعدة أخلاقية تُطبّق لتأمين الاحترام، بل اختيارٌ واعٍ ومسار روحي يُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه قبل أن يعيدها للعالم.
المرأة العفيفة تسير كما لو أن قلبها ينبض في وادٍ هادئ، بعيدًا عن ضوضاء الغير. هي ليست جسدًا يتأثر بالعيون، بل روحٌ تعرف قيمتها، تعرف أن ما يُصان داخلها أهم من أي تقدير خارجي. العفّة هنا وعي متجذر: وعي يجعلها تختار ما يُغذي روحها وما يُهذّب قلبها، وتترك وراءها كل ما يشتت الانتباه ويقوض الجوهر. فهي لا تهرب من الحياة، لكنها تتجنب الانجراف معها بلا هدف، وتعلّم من يقترب منها أنّ الكرامة لا تُعطى بل تُصان، وأن النفوس تُحفظ بالحدود التي نضعها لأنفسنا لا بالحدود التي يفرضها الآخرون.
داخل المرأة العفيفة تتشكل صور تحرس روحها:
ترى نفسها كجبل صامد، تقف ثابتة رغم الرياح والعواصف، لأن ثباتها ليس عن صلابة مفرطة، بل عن إدراك داخلي لقوة النفس وتوازنها. وترى نفسها كسنبلة قمح ممتلئة تنحني مع الامتلاء، إذ الاعتدال ليس ضعفًا بل حكمة، والقدرة على الاحتواء هي أرقى أشكال القوة. وفي لحظات صفاء الروح، تتخيل نفسها نجمة وحيدة في ليل عميق، لا تبحث عن منافسة، ولا عن تأكيد، بل تضيء بما أُعطيت وتكتفي بذلك، تاركة للسماء تقدير موقعها في الكون.
هذه الصور ليست مجرد خيال، بل بوصلتها الداخلية. فهي تجعلها تمسك بوعيها، وتعرف كيف تتعامل مع الحياة والآخرين من منطلق حضورها وليس استجابةً للضغط الخارجي. العفّة لا تلغي الرغبة ولا تضعف الحرية، بل تهذّبها، وتحوّلها إلى قوة هادئة تصنع الاختيار الصحيح في كل موقف، فكل ما يُترك بلا وعي يصبح عبئًا، وكل ما يُحفظ بوعي يتحوّل إلى نور.
وهنا يظهر زهد العفّة؛ ليس الزهد في الابتعاد عن الناس أو الحياة، بل ترك ما يشتت القلب وما يرهقه، دون أن يغلق الأبواب على التجربة أو الفرح أو الحب. المرأة العفيفة لا تتجنب العالم، لكنها تعرف كيف تخرج من كل ضجيج بلا خسارة، وكيف تحافظ على طهارة قلبها وسط متطلبات الحياة. إنها تحافظ على الحرية الداخلية، وتزرع في نفسها قدرة على التمييز بين ما يبني وما يهدم، بين ما يرفعها وما يجرّها للأسفل.
العفّة هنا تصبح طريقًا للطمأنينة. فالمرأة التي تحفظ قلبها، تتعامل مع الآخرين دون توتر، ومع الحياة دون اندفاع، ومع نفسها بصدق. لا تتجمّل لتثير إعجاب الناس، ولا تضع قيودًا لتكسب احترامهم، بل تتجمّل للمعنى الذي تحمله في داخلها، فتضيء في صمت، ويشعر من حولها بهذا الضوء قبل أن يراه أحد. إنها قيمة لا تُقاس بالعين، بل بالحس الداخلي، بقدرة الروح على التفريق بين ما هو جوهري وما هو عابر.
وهكذا تصبح العفّة ليست مجرد خلق فردي، بل قيمة حضارية. حين تتحقق في المرأة، تصبح شعاعًا يذكّر المجتمع بأن الإنسان يمكنه أن يعيش بحرية ويصون ذاته، وأن الكرامة تُحفظ بالوعي لا بالاجتهاد الخارجي. فالمرأة العفيفة، ببساطتها وثباتها، تعطي درسًا صامتًا في جمال الروح، وفي قدرة الإنسان على أن يجعل من ذاته قوة متوازنة وسط فوضى العالم.
العفّة إذًا ليست غاية فردية، بل حكمة متكاملة تصنع التوازن بين الإنسان وذاته والعالم. وهي، حين تُمارس بصدق، تترك أثرًا خالدًا: على القلب، على المجتمع، وعلى الحضارة التي تحتاج إلى من يحفظ القيم العميقة كما تُحفظ النجوم في الليل، بلا صخب، بلا تظاهر، وبنقاء يراه كل من يملك القدرة على التأمل والوعي.

Share this content:




