أومبريا – في مدينة أميليا تقديم كتاب «بلد التقاليد» لبيبي كونفيرتيني

أومبريا – في مدينة أميليا تقديم كتاب «بلد التقاليد» لبيبي كونفيرتيني
بقلم كيارا كافالييري
أميليا (مقاطعة تيرني) – رحلة في إيطاليا الأكثر أصالة، تلك التي تعيش في القرى والساحات والاحتفالات الشعبية والطقوس التي تناقلتها الأجيال عبر الزمن. هذا هو جوهر كتاب «بلد التقاليد» للإعلامي الإيطالي بيبي كونفيرتيني، الذي كان محور لقاء عام أُقيم في مدينة أميليا في الأجواء الساحرة لـ المتحف الأثري المدني ومعرض اللوحات “إديلبيرتو روزا”، ضمن الفعالية الثقافية «بين سطور أميليا».

لم يكن الحدث مجرد عرض لكتاب، بل تحوّل إلى لحظة حوار وتأمل حول إيطاليا الجذور، وإيطاليا المجتمعات المحلية والتقاليد التي ما تزال حية في الحياة اليومية للمناطق المختلفة.
وقد أدارت اللقاء وقدّمته كيارا كافالييري، التي افتتحت الحوار مع المؤلف مؤكدة أن الكتاب يمثل دعوة للتأمل وإبطاء إيقاع النظر إلى العالم من حولنا، وإعادة اكتشاف جمال الذاكرة الجماعية التي تحفظها المجتمعات المحلية والمتطوعون والجمعيات وكل من يعمل يومياً من أجل صون التراث الثقافي الإيطالي.

يُعد بيبي كونفيرتيني وجهاً معروفاً في التلفزيون الإيطالي، ومقدماً لبرامج تحظى بشعبية كبيرة تتناول المناطق والثقافة الإيطالية. ومن خلال كتاب «بلد التقاليد» يواصل مسيرته في سرد حكايات إيطاليا الحقيقية، مصطحباً القارئ في رحلة مليئة باللقاءات والقصص والمشاعر، عبر القرى والاحتفالات الشعبية والطقوس الدينية والمهن التقليدية التي لا تزال حتى اليوم تمثل روح الهوية الإيطالية العميقة.
خلال اللقاء، أدارت كيارا كافالييري الحوار مع المؤلف متناولة عدداً من الموضوعات الأساسية التي يطرحها الكتاب.

وقد تمحورت إحدى أولى النقاشات حول دور التقاليد في مجتمع يزداد تسارعاً بفعل العولمة. وأوضح كونفيرتيني أن التقاليد ما تزال تشكل أحد أهم العناصر التي تحافظ على تماسك المجتمعات. فالاحتفالات الشعبية والمناسبات الدينية والمهرجانات المحلية ليست مجرد ذكريات من الماضي، بل هي لحظات لقاء وتشارك تعزز الشعور بالانتماء إلى المكان.
وفي عالم يتغير بسرعة، أوضح المؤلف أن إعادة اكتشاف الجذور تعني أيضاً استعادة توازن بين الحداثة والذاكرة، وبين الابتكار والهوية الثقافية.
وخلال رحلته في أنحاء إيطاليا التي يرويها في الكتاب، التقى كونفيرتيني أيضاً بتقاليد مهددة بالاندثار، خاصة تلك المرتبطة بالحرف القديمة والمعارف الحرفية التقليدية التي انتقلت عبر الأجيال لقرون طويلة. واليوم يواجه كثير من هذه المعارف خطر الاختفاء بسبب هجرة السكان من القرى الصغيرة والتغيرات الاجتماعية التي أثرت في العلاقة بين العمل والأرض والمجتمع.

ويرى المؤلف أن الحفاظ على هذه التقاليد يعني دعم المجتمعات المحلية وتشجيع المبادرات الثقافية والاستمرار في سرد هذه القصص حتى تتمكن الأجيال الجديدة من التعرف عليها.
ومن أكثر الجوانب التي أثرت في كونفيرتيني خلال إعداد الكتاب لقاؤه بالأشخاص الذين يحافظون على هذه التقاليد. متطوعون وجمعيات وأخويات ومجتمعات كاملة تعمل غالباً بعيداً عن الأضواء من أجل إبقاء الاحتفالات الشعبية والطقوس والمناسبات الثقافية حية.
ويؤكد المؤلف أن هؤلاء هم الحراس الحقيقيون للتراث الثقافي الإيطالي؛ رجال ونساء يكرسون وقتهم وجهدهم لحماية تقاليد لا تنتمي إلى الماضي فحسب، بل ما تزال حية في الحاضر.
كما تناول الحوار الفرق بين السرد التلفزيوني والكتابة الأدبية. فبينما يعتمد التلفزيون على قوة الصورة وسرعة الإيقاع البصري، يسمح الكتاب بسرد أبطأ وأكثر تأملاً، يتيح التوقف عند قصص الناس وتفاصيل الأماكن والمشاعر التي ترافق الرحلة.

وأوضح كونفيرتيني أن كتاب «بلد التقاليد» وُلد من الرغبة في رواية قصة إيطاليا بنظرة أعمق، وإعطاء مساحة لتلك القصص التي غالباً ما تبقى بعيدة عن الأضواء لكنها تمثل جوهر الهوية الثقافية للبلاد.
وكان لتقديم الكتاب في مدينة أميليا معنى رمزي خاص. فهذه المدينة في إقليم أومبريا تعد من أقدم المدن الإيطالية، إذ تعود جذورها إلى العصر الإتروسكي، وتواصلت أهميتها خلال العصر الروماني عندما كانت أميريا القديمة مركزاً مهماً في المنطقة.
وفي المتحف الأثري المدني، حيث أقيم اللقاء، تُحفظ التمثال البرونزي الشهير للقائد الروماني جرمانيكس، وهو أحد روائع النحت الروماني في القرن الأول الميلادي ورمز لتاريخ المدينة العريق.
وخلال زيارته للمدينة، أبدى بيبي كونفيرتيني اهتماماً كبيراً بتراث أميليا الثقافي، وأعرب عن إعجابه بشكل خاص بـ المسرح الاجتماعي في أميليا، وهو تحفة معمارية صغيرة تعود أصولها إلى القرن الثامن عشر قبل أن يتم تجديدها في القرن التاسع عشر، ولا يزال حتى اليوم أحد أهم المراكز الثقافية في المدينة.

مدينة تتعايش فيها التاريخ والفن والتقاليد في تناغم مستمر مع الحاضر، وتجسد تماماً روح الذاكرة والهوية التي يرويها الكتاب.
وقد شهد اللقاء مشاركة واسعة واهتماماً كبيراً من الجمهور، وتحول إلى مساحة استماع وحوار حيث أصبحت كل صفحة من صفحات الكتاب فرصة للتفكير في قيمة المناطق والتقاليد التي تمنحها تميزها.
وفي ختام اليوم الثقافي، استمرت الفعاليات عند الساعة 18:30 في قصر فينتوريلي مع فعالية «نغمات ومذاق»، وهي أمسية موسيقية مع بيبي كونفيرتيني رافقها تذوق للأطعمة المحلية بإشراف Amerino Tipico.
لحظة جمعت بين الثقافة والموسيقى وفنون الطهي، محتفية مرة أخرى بالعلاقة العميقة بين التقاليد والأرض والمجتمع في قلب مدينة أميليا.
وقد نُظم الحدث بمبادرة من بلدية أميليا بالتعاون مع Amerino Tipico وAMU Amelia Musei، وبدعم من وزارة الثقافة الإيطالية – المديرية العامة للعروض، في إطار استراتيجيات التنمية المحلية لبرنامج LEADER – CSR أومبريا 2023-2027، من خلال مشروع GAL Ternano الهادف إلى تعزيز الفعاليات التاريخية والثقافية والمنتجات المحلية.
مشروع يبرهن على أن الثقافة والذاكرة والتقاليد يمكن أن تكون أدوات أساسية لتعزيز قيمة المناطق وترسيخ الهوية المجتمعية.
—
كيارا كافالييري
رئيسة الجمعية الإيطالية-المصرية إريدانوس
نائبة رئيس مركز الدراسات UCOI-UCOIM
حقوق النشر © جمعية إريدانوس جميع الحقوق محفوظة.
Share this content:




