ليلة غيَّرت وجه التاريخ.. بداية الهجرة النبوية

ليلة غيَّرت وجه التاريخ.. بداية الهجرة النبوية
بمناسبة العام الهجري الجديد، نتذكَّر دروس الهجرة ومعانيها، ونتأمَّل قول النبي ﷺ في شأن الهجرة المخصوصة التي أكرمه الله بها من مكة إلى المدينة: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» [متفق عليه].
فبعد فتح مكة، خرج أهلها من عبادة الأوثان إلى التوحيد الخالص، ولم تعد هناك حاجة إلى الفرار بالدين منها إلى المدينة المنورة كهجرة إيمان، أو إلى الحبشة من قبل كهجرة أمن؛ فقد آمن الناس، وشعروا جميعًا بالأمان.
وللهجرة معنىً مهمٌّ في ذاتها، نراه ظاهرًا في سير الأنبياء عليهم السلام؛ فإبراهيم عليه السلام يهاجر طلبًا للإيمان، قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ}. وموسى عليه السلام يخرج إلى أرض مدين طلبًا للأمن، ويعقوب عليه السلام ينتقل إلى مصر للحاق بيوسف وأخيه.
وهكذا لو تتبَّعنا هجرة الأنبياء، لوجدنا أنها كانت لمقاصد كثيرة: لطلب الإيمان، أو الأمن، أو إقامة الدين، أو طلب الرزق، أو طلب العلم، أو غير ذلك من المقاصد الشريفة. وبذلك صارت الهجرة منهج حياة، لا مجرد انتقال من بلد إلى بلد.
ولذلك كان لا بدَّ أن يبقى للهجرة معنى مستمر؛ لمكانتها المهمة في الدين، سواء أكان انتقال الإنسان من مكان إلى مكان، أو من حال إلى حال.
أما الانتقال من مكان إلى مكان، فيظهر في مفارقة مواضع المنكر، وعدم الرضا بالفساد أو السكوت عليه؛ قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
وهذا منهج قوي في مقاومة الفساد وعدم الرضا به.
وأما الانتقال من حال إلى حال، فيتمثل في التوبة والرجوع إلى الحق، وعدم اليأس بسبب الوقوع في الذنب؛ فإن الاستمرار في الذنب أشد خطرًا من مجرد الوقوع فيه. وقضية التوبة هذه هي أساس الرقابة الذاتية للإنسان على نفسه، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسِبُوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبُوا، وزِنُوا أنفسكم قبل أن تُوزَنُوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر، يوم تُعرَضون لا تخفى منكم خافية».
وهو معنى يوافق قول النبي ﷺ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ» [الترمذي].
وعلى هذا المفهوم، فإن الهجرة أمر مستمر يدخل في الحياة اليومية للمؤمن، ولا يقتصر معناها على النقلة المكانية وحدها. ونحن في أشد الحاجة إلى إحياء هذا المعنى في عصرنا الحاضر؛ لأنه يشمل أمرين عظيمين:
أولًا: مقاومة الفساد والإفساد، سواء أكانت هذه المقاومة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بتوبة نصوح ينخلع فيها المفسد من فساده، ويرجع إلى الله بمحاسبة النفس والهجرة عن العصيان.
ثانيًا: أن هذا المفهوم الواسع المستمر للهجرة يجعلنا نعيش معنى الهجرة في واقعنا، إذا قمنا بما نسميه في عصرنا الحاضر: التنمية؛ فهناك ارتباط وثيق بين معنى الهجرة الشرعي، وبين مقاصد التنمية الشاملة وأهدافها. ويرتبط ذلك أيضًا بقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
فالقراءة الصحيحة للآيات والأحاديث، كما علَّمنا رسول الله ﷺ، لا تقتصر على الحالة الروحية وحدها، ولا تقف عند الدلالات اللغوية الضيقة لبعض الألفاظ، وإنما تمتد لتكوِّن معنى واسعًا يتناسب مع مراد الله من خلقه، ومع مراد الله من شرعه.
فيجب أن نفهم الدين بهذه السعة كما علَّمنا سيدنا رسول الله ﷺ؛ فالهجرة ليست ذكرى تاريخية مضت، وإنما هي معنى متجدد: هجرة من الباطل إلى الحق، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن الجمود إلى العمل، ومن ضعف النفس إلى قوة الإيمان.
أ.د علي_جمعة
Share this content:



