العنف التوليدي.. عندما تتحول غرفة الولادة من مساحة أمان إلى مصدر للمعاناة

العنف التوليدي.. عندما تتحول غرفة الولادة من مساحة أمان إلى مصدر للمعاناة
بقلم /دنياكريم
تنتظر المرأة لحظة الولادة باعتبارها واحدة من أهم محطات حياتها، إلا أن هذه التجربة قد تتحول لدى بعض الأمهات إلى ذكرى مؤلمة بسبب ما يُعرف بـ”العنف التوليدي”، وهو مصطلح يُطلق على أشكال سوء المعاملة أو الإهمال أو التدخلات الطبية التي تتم دون موافقة مستنيرة أو بطريقة تمس كرامة المرأة وحقوقها أثناء الحمل أو الولادة أو بعدها.
ورغم التقدم الكبير الذي شهدته خدمات الرعاية الصحية حول العالم، فإن الظاهرة لا تزال تثير قلق المؤسسات الدولية المعنية بصحة الأم والطفل. فقد كشفت دراسة قادتها منظمة الصحة العالمية أن ما بين 35% و42% من النساء تعرضن لشكل من أشكال سوء المعاملة أثناء الولادة داخل المؤسسات الصحية، بينما أفادت نحو 14% من المشاركات بتعرضهن لإساءة جسدية خلال فترة الرعاية المرتبطة بالولادة.
ولا تقتصر صور العنف التوليدي على الاعتداء الجسدي، بل تشمل أيضًا الإهانات اللفظية، وتجاهل شكاوى المريضة، وحرمانها من المعلومات الطبية الكافية، وإجراء فحوصات أو تدخلات علاجية دون الحصول على موافقة واضحة منها، فضلًا عن انتهاك الخصوصية أو التمييز في تقديم الرعاية.
وفي تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان شمل 2616 امرأة في 16 دولة، أفادت 67% من المشاركات بتعرضهن لشكل واحد على الأقل من سوء المعاملة أثناء المخاض أو الولادة. كما ذكرت 48.1% منهن أنهن خضعن لإجراءات طبية دون موافقة مستنيرة كاملة، بينما أكدت 24% تعرضهن لإساءة لفظية أو معاملة مهينة، وأشارت 10% إلى تعرضهن لإساءة جسدية أو جنسية.
ويرى خبراء الصحة أن هذه الأرقام تعكس مشكلة تتجاوز الأخطاء الفردية، لتشير إلى الحاجة إلى تطوير أنظمة الرعاية الصحية وتعزيز ثقافة احترام حقوق المريضات. كما يؤكدون أن جودة الرعاية لا تُقاس فقط بالمؤشرات الطبية، بل تشمل أيضًا شعور المرأة بالأمان والاحترام والقدرة على المشاركة في القرارات المتعلقة بصحتها.
ويشدد مختصون على أهمية تدريب الكوادر الطبية على مهارات التواصل الإنساني، وتوفير بيئة عمل مناسبة تقلل من ضغوط العمل، إلى جانب وضع آليات واضحة لتلقي الشكاوى ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات قد تتعرض لها النساء أثناء الولادة.
وفي ظل الجهود الدولية المتواصلة لمواجهة هذه الظاهرة، يظل الهدف الأساسي هو ضمان حصول كل امرأة على رعاية صحية آمنة تحترم كرامتها وحقوقها الإنسانية، حتى تبقى الولادة تجربة حياة مفعمة بالأمل، لا ذكرى مثقلة بالخوف أو المعاناة.
إن مكافحة العنف التوليدي ليست مسؤولية الأطباء وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الصحية والجهات الرقابية وصناع القرار والمجتمع بأكمله، لضمان أن تكون غرف الولادة أماكن للرعاية والدعم، لا ساحات لانتهاك الحقوق.
Share this content:




